الشيخ محمد هادي معرفة

350

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

السماوات ورميت الشياطين بالنجوم . . . » . « 1 » وفي حديث الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عليهم السلام في جواب مساءلة اليهود : « أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه وآله فمنعت من أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم وبطلان [ عمل ] الكهنة والسحرة » . « 2 » وهكذا حاول الشيخ الطنطاوي تأويل ظواهر التعابير الواردة في هذه الآيات إلى إرادة التمثيل ، قال - ما ملخّصه - : إنّ العلوم التي عرفها الناس تُراد لأمرين : إمّا لمعرفة الحقائق لإكمال العقول ، أو لنظام المعايش والصناعات لتربية الجسم . وإلى الأوّل أشار بقوله تعالى : « وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً » . « 3 » وإلى الثاني قوله : « وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ » . « 4 » وكلّ من خالف هاتين الطريقتين فهو على أحد حالين : إمّا أن يريد ابتزاز أموال الناس بالاستعلاء بلا فائدة ، وإمّا أن يريد الصيت والشهرة وكسب الجاه . وكلاهما لانفع في علمه ولافضل له . فمن طلب العلم أو أكثر في الذكر ليكون عالةً على الامّة فهو داخلٌ في نوع الشيطان الرجيم ، مرجومٌ مُبْعَدٌ عن إدراك الحقائق ومعذّب بالذّل والهوان ، وهذا مثال قوله تعالى : « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ . وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى ( فلا يعرفون حقائق الأشياء ) وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً » بما ركّب فيهم من الشهوات وما ابتلوا من العاهات « وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ » أي في أمل متواصل ملازم لهم مدى الحياة . فلو حاول أن يخطف خطفة من الحقائق حالت دون بلوغه لها الأميال الباطلة « فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ » . « 5 » نعم « إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ » . « 6 » ولاشكّ أنّها كناية عن حرمانهم العناية الربّانية المفاضة من ملكوت أعلى . الأمر الذي أُنعِمَ به الرّبانيّون

--> ( 1 ) - الأمالي للصدوق ، ص 253 ، المجلس 48 ؛ وبحارالأنوار ، ج 15 ، ص 257 . ( 2 ) - بحارالأنوار ، ج 17 ، ص 226 عن قرب الإسناد للحميري ، ص 133 . ( 3 ) - الحِجر 16 : 15 . ( 4 ) - الأعراف 10 : 7 ، الحجر 20 : 15 . ( 5 ) - الصافّات 6 : 37 - 10 . راجع : تفسير الجواهر ، ج 8 ، ص 13 ، وج 18 ، ص 10 . ( 6 ) - الأعراف 40 : 7 .